أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )

193

أنساب الأشراف

الجمع ، فقام رجل من الصّوفيين فقال : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم [ 1 ] ! فأخذ ، فلما فرغ المنصور من خطبته وقضى كلامه أمر ان يضرب أربعين درة فضرب ، ثم دعا به فقال : إنّا لم نضربك لقولك ، إنما ضربناك لكلامك في الخطبة فلا تعد ، وأمر بتخلية سبيله . وحدثني أبو مسعود وغيره قال : خطب المنصور فلما قال : وأشهد ان لا إله إلا الله ، قام اليه رجل كان في أخريات الناس فقال : يا أمير المؤمنين اني أذكَّرك من ذكرت ، فقال : سمعا سمعا لمن ذكَّر باللَّه وأيامه وأعوذ باللَّه ان أكون جبّارا عنيدا وأن تأخذني العزّة بالإثم لقد ضللت إذا وما انا من المهتدين [ 2 ] ، وأنت فما أردت الله بها إنما أردت ان يقال قام فقال فعوقب فصبر ، وأهون عليّ بقائلها لو هممت ، فاهتبلها ويلك إذ عفوت وإياك وإياكم أيها الناس وما أشبهها فإن الموعظة علينا نزلت [ 3 ] ومن عندنا انتشرت وعنّا أخذت وحملت ، ثم عاد في خطبته [ 4 ] . حدثني أبو مسعود ، قال : قدم على المنصور ( 623 ) قوم من أهل الشام بعد هزيمة عبد الله بن علي وفيهم الحارث بن عبد الرحمن الحرشي ، فقام عدة منهم فتكلموا ، ثم قام الحارث فقال : يا أمير المؤمنين لسنا وفد مباهاة ولكن وفد توبة ، ابتلينا بفتنة استفزّت شريفنا واستخفّت حليمنا فكنا بما قدّمنا معترفين ومما فرط منّا معذورين فإن تعاقبنا فبجرمنا وان تعف عنّا فبفضلك علينا ، فاصفح يا أمير المؤمنين إذا ملكت وامنن إذ قدرت وأحسن فطال ما أحسنت ، فقال المنصور : أنت خطيبهم ، وأمر بردّ قطائعه بالغوطة عليه . فقال : ووجّه المنصور إسحاق الأزرق مولاه فأتاه بامرأتين وصفتا له ، إحداهما من ولد خالد بن أسيد والأخرى فاطمة بنت محمد ابن محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله ، فجيء بهما وقد خرج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة ، فقيل له إن هاتين الجاريتين قد استوحشتا إذ لم ترهما ، فقال : والله لا كشفت ثوب امرأة عني حتى أدري أرأسي لإبراهيم أو رأس

--> [ 1 ] سورة البقرة ( 2 ) ، الآية 44 . [ 2 ] سورة الأنعام ( 6 ) الآية 56 : « قل لا اتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما انا من المهتدين » . [ 3 ] ط : نزلت علينا . [ 4 ] انظر الخبر في الخطيب البغدادي ج 10 ص 56 .